ابن ميثم البحراني

322

شرح نهج البلاغة

قسّم حال الناس على تقدير الشروع في أمر القصاص إلى ثلاثة أقسام ، وهو احتجاج منه على الطالبين وتضعيف لرأيهم بقياس ضمير من الشكل الأوّل مركَّب من شرطيّتين متّصلتين صغراهما قوله : إنّ هذا الأمر إذا حرّك كان الناس فيه على أمور ، وتقدير الكبرى وإذا كان الناس فيه على أمور لم يتمكَّن من إتمامه وفعله . فينتج أنّ هذا الأمر إذا حرّك لا يتمّ فعله . ثمّ عدّ تلك الأمور ، وهى أنّ فرقة ترى كونه مصيبا كما رأى الطالبون ، وفرقة ترى أنّه مخطئ وهم أنصار المقتصّ منهم ، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك بل تتوقّف كما جرى ذلك في أمر التحكيم . ثمّ أمرهم بالصبر إلى غاية هدوء الناس . إذ بيّن لهم أنّه لا مصلحة في تحريك الأمر حينئذ فإنّ الحقوق عند هدوء الناس واستقرار القلوب أسهل مأخذا . وقوله : فاهدأوا عنّى وانظروا ما ذا يأتيكم به من أمري . يدلّ على ترصّده وانتظاره للفرصة من هذا الأمر . ثمّ خوّفهم من الاستعجال بفعل يضعف شوكة الدين ويورث وهنه فإنّه لو شرع في عقوبة الناس والقبض عليهم لم يؤمن من تجدّد فتنة أخرى أعظم من الأولى ، وهو غالب الظنّ . فكان الأصوب في التدبير والَّذي يقتضيه العقل والشرع الإمساك إلى حين سكون الفتنة وتعرّق أولئك الشعوب ورجوع كلّ قوم إلى بلادهم ، وربّما كان عليه السّلام ينتظر مع ذلك أن يحضر بنو عثمان للطلب بدمه ، ويعيّنون قوما بأعيانهم بعضهم للقتل وبعضهم للحصار كما جرت عادة المتظلَّمين إلى الإمام ليتمكَّن من العمل بحكم اللَّه . فلم يقع الأمر كذلك ، وعصى معاوية وأهل الشام والتجأ إليه ورثة عثمان ، وفارقوا حوزة أمير المؤمنين عليه السّلام ولم يطلبوا القصاص طلبا شرعيّا ، وإنّما طالبوه مغالبة ، وجعلها معاوية عصبيّة جاهليّة ، ولم يأت أحد منهم الأمر من بابه ، وقيل : ذلك ما كان من أمر طلحة والزبير ونقضهما للبيعة ونهبهما أموال المسلمين بالبصرة وقتلهما للصالحين من أهلها ، وكلّ تلك الأمور الَّتي جرت مانعة للإمام عن التصديّ للقصاص ، ولذلك قال عليه السّلام لمعاوية في بعض كلامه : فأمّا طلبك بدم عثمان فادخل في الطاعة وحاكم القوم إليّ أحملك وإيّاهم على كتاب اللَّه وسنّة رسوله .